أنماط الشخصية والأبعاد المطلوبة
لطالما راودني
سؤال مُلحّ منذ أن انتشرت دورات أنماط الشخصيات وكثر الاهتمام بها: هل المقصود من
هذا العلم هو مجرد معرفة الأنماط الشخصية وتصنيف الناس وسلوكياتهم بناءً عليها؟ أم
أن هناك عمقاً أكبر يتطلب منا اكتشافه، وهو ما لم يلتفت إليه كثير من المتخصصين؟
هذا السؤال
الذي قد يبدو للوهلة الأولى سطحياً إلى حد ما، لم يكن ليظهر إلا بعد التأمل في
العديد من هذه الدورات وبعض الممارسات التي يقدمها بعض المهتمين التي أظهرت جوانب
تُشير إلى ما طرحته في سؤالي، ومع مرور الوقت أثبتت الدراسات أن الموضوع أعمق
بكثير مما يبدو، حيث تتضافر الدراسات النفسية والاجتماعية لتؤكد أن هذه المقاييس
ليست سوى الخطوة الأولى التي تفتح لنا آفاقاً لفهم النفوس البشرية وكيفية تأثيرها
على السلوك، ومع ذلك يقف كثيرون عند هذه المرحلة الأولية معتقدين أنها تمثل غاية الأمر
ومنتهاه.
وفي هذا المقال
المقتضب، سأحاول تسليط الضوء على بعض الأبعاد التي يمكن لهذه المقاييس أن تكشفها
لنا، بهدف استثمارها في تحسين أفكارنا وسلوكياتنا، وجعلها أكثر فاعلية وتأثيراً في
حياتنا ولعل من هذه الأبعاد:
1-
1- التقييم الشخصي: إن معرفة الإنسان بنمط شخصيته
تتيح له قراءة ذاته قراءة دقيقة من حيث آلية التفكير وطريقة إنتاج الأفكار وانعكاس
ذلك على سلوكه، ويساعد الفرد على إدراك كثير من مسببات ميولاته الفكرية -غير
المنهجية- التي تتأثر بانعكاسات طباعه الشخصية، إنّ هذا الوعي يضع الإنسان في
مواجهة حقيقية مع طباعه، مما يتيح له التعرف على مواطن القوة والضعف في شخصيته، وبدلاً
من أن يستمر في طرق التفكير التي تفرضها عليه طباعه -دون مراجعة- يصبح أكثر
استعداداً لتقبل الأفكار التي كان ينفر منها بسبب طبيعة نمطه حتى وإن كانت هذه
الأفكار تستند إلى حجج منطقية سليمة، علاوة على ذلك يساعد هذا البعد على تحقيق
انسجام غير معهود مع أفكار الآخرين وسلوكياتهم، مما يعزز تقبله لأنماط التفكير
المتنوعة، و ينعكس إيجابياً على جودة تفكيره وسلوكه حيث يصبح أكثر مرونة وتفهماً.
2- 2- الاستدراك والتحسين: إنّ
إدراك الفرد لمواطن ضعفه الطبَعي وانعكاس ذلك على طريقة تفكيره يمنحه فرصة سانحة
لاستدراك الأفكار وتحسينها والاستفادة من أفكار الآخرين، فهذا الإدراك يجعله على
يقين بأن أفكاره وإن بدت ناضجة لا تخلو من تأثير الطباع الشخصية عليها، وقد يقوده
طبعه أحياناً إلى تبني أفكار غير صحيحة، الأهم من ذلك أنّ تقبله لطبائع الآخرين
وتشكلاتهم الفكرية يساهم بشكل كبير في رفع جودة أفكاره ونضج طُرق تفكيره، فمن خلال
هذا التقبّل ينصهر الفرد مع طبائع الآخرين ويستفيد منها في تطوير أفكاره وأساليب
التفكير ، ولكن هذا لا يتحقق إلا إذا اعترف الفرد بنقصه ووعى بضعفه، إذ إن هذا
التسليم هو الخطوة الأولى التي تمكنه من استدراك الأخطاء والاستفادة من الآخرين.
3- 3- التكيّف
الاجتماعي: إن إدراك الإنسان لمرجعيات الطباع المختلفة لدى الناس جميعاً يدفعه إلى
تقبّل الآخرين كما هم، والسعي للتنازل في بعض الطباع للوصول إلى حالة من التوازن
والاستقرار تُمكّنه من التكيف مع الجميع، إن تصور الإنسان لجودة الحياة بما يتوافق
مع طباعه فقط هو تصور أناني يجعله يتمحور حول نفسه، فلا يتقبل إلا من يشابهه في
الطباع والتوجُّهات، ولكن إذا منح الإنسان نفسه فرصة لتقبّل الآخرين -كما يتقبلونه
هم- سيكتشف نقاطاً مشتركة يمكن أن تكون موضعاً للتنازل والتقارب، فالإنسان كائن
اجتماعي بطبعه، ولن يتمكن من تحقيق هذه الاجتماعية بصورة صحيحة إلا إذا تقبّل
الآخرين بكل ما لديهم من إيجابيات وسلبيات، بعد ذلك لا بأس أن يسعى ليكون عضواً
فاعلاً في مجتمعه، يحرص على تحسين الطباع والتأثير الإيجابي لديهم، لكن يبقى
التقبّل والتنازل في الطباع والنمط الشخصي الأساس الحقيقي للتعايش مع الآخرين،
سواء كان ذلك على مستوى تقبّل الأفكار أو السلوكيات الناتجة عنها.
4- 4- التنبؤ بأسباب المشكلات: إن
كثيراً من المشكلات النفسية والاجتماعية تنبع أساساً من الطبع الشخصي، فعند التعمق
في الأعراض النفسية نجد أن العديد منها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بضعف في الطبع أو
مشكلة في النمط الشخصي لم يتم الالتفات إليها ومعالجتها، وبالمثل فإن كثيراً من المشكلات الاجتماعية تكشف
عند التحقق منها عن تنافر في الطباع أدى لاحقاً إلى ظهور سلوكيات مرفوضة، فعلى
سبيل المثال قد يشتكي أحدهم من أسلوب تعاملِ شخص معه، بينما يرى الطرف الآخر أن
أسلوبه كان طبيعياً ولا يحمل أي إساءة، ولكن عند التعمق في أصل المشكلة نجد أنها
تعود إلى ضعف في الطبع أو خلل في النمط الشخصي الذي أفرز تلك الضغينة، أو إلى سلوك
غير مقبول ينبع من طبع يغذيه، واللافت أنّ هذا الأسلوب المرفوض إذا صدر من شخص
يتشابه في الطبع مع الطرف الآخر فإنه يتقبله بدرجة أكبر ولا يثير نفس حدة الرفض أو الغضب، وهذا دليل على
أن الأمر يرتبط بالطبع ذاته أكثر مما يتعلق بالسلوك الظاهر، وينطبق هذا الأمر على
العديد من مشكلاتنا، التي عند التعمق في جذورها، نجد أن سببها الأساسي هو تنافر
الطباع، أو عدم القدرة على التقبل والانسجام، ويمكن القول أيضاً إن السبب يكمن في
غياب الوعي بتنوع الطباع البشرية وضعفها وقوتها.
5- 5- تحفيز الإنتاجية: عندما يدرك الفرد مواطن القوة في شخصيته وما
ينسجم معها من المهام والأعمال، فإن ذلك ينعكس بشكل إيجابي على مستوى شغفه، مما
يرفع من مستوى إنجازه، إذ يعمل الفرد في بيئة تتوافق مع إمكاناته وطباعه، مما يتيح
له الوصول إلى ذروة التركيز، وهو ما يثمر في النهاية الإتقان والجودة، ولو أن كل
فرد تم توظيفه في المكان المناسب لطباعه وميوله أو على الأقل قريباً منها لشهدنا
فرقاً كبيراً بين الواقع والمأمول، وفي هذه الحالة يمكن الاعتماد على التحفيز
الذاتي الناتج عن توافق العمل مع طبيعة الفرد، بدلاً من الاعتماد على إدارة
المتابعة التي تراقب سير العاملين وإنجازاتهم بشكل مستمر.
إن
تحقيق الإنتاجية يتطلب استفراغ الوسع في تحقيق المستهدفات، ولا يمكن الوصول إلى
هذا الهدف بسهولة إلا عندما يميل الفرد إلى المهام الموكلة إليه، ويشعر بأنها
تتماشى مع اهتماماته ومحبوباته.
الله يفتح عليك وينفع بك
ردحذفكلام جميل جداً وفي غاية الروعة
اللهم آمين وإياك يارب
حذفليش ماتسوي بث تقرام هنا في قناتك تتكلام عن الوسواس
ردحذف