الطباع وأثرها في التفكير والسلوك
مما
يغيب على كثير من الناس تأثير طباعهم على التشكّلات الفكرية والسلوكية لديهم،
وأنماط تعاملاتهم الاجتماعية والأحكام الملقاة على غرار هذه الطباع، فالمتأمل في
الأشخاص الذين يميلون للعاطفة والاهتمام الاجتماعي مثلاً يجد أن تلك العاطفة التي
تموج كموج البحر -بين مدٍّ وجزر- تنطبع على صفحات حياة صاحبها، فليس ذلك مختص بالجوانب
الاجتماعية كما يظن البعض بل ينعكس أيضاً على سلوكياته وأدوات التفكير وأشكال
الحياة، فنجده في التفكير شديد التمسك بالأفكار دون استدلالات قوية تضبط التفكير
لديه وتجعله متسقاً بل العاطفة تسوقه تحت أي مؤثر، وسرعان ما ينتقل للجهة الأخرى
عند أي عملية تهييج للعاطفة ولو صغرت، وفي العلاقات الاجتماعية فهو مرهف الحس مليء
العاطفة يحتوي بتلك العاطفة القاصي والداني، ولهذا فهو كثير العلاقات الاجتماعية
كثير المجتمعات والبيئة، ولكن عاطفته تجعله كثير التنقل ، سريع التأثر، إن أحب
أغرق وإن كره أحجم حدّ الجفاف، وعلى الصعيد الذاتي فهو مبعثر الاهتمامات ما يحلو في لحظتها فهو
المهم، فالترتيب يُعدّ معضلة حقيقية بالنسبة له، ونجده يصدر الأحكام تبعاً للعاطفة
فموقفه اليوم ليس هو موقفه غداً مع ثبات ذات المعطيات وكل هذا ليس إلا انعكاساً
حقيقياً للمدِّ والجزر العاطفي لديه، وعلى الجهة المقابلة للشخصية العاطفية نجد
الشخصية التحليلية التي تقوم على العقلانية والهدوء اللتان تُفرزان التأني
والتدقيق وحب المنطقية والتفحّص والدخول في التفاصيل، مما يكون نتيجته الحذر
والخشية من الخطأ والمنطقية الطاغية وطلب الكماليات والتأمل الطويل الخارج عن
المعتاد، فنجده على الصعيد الاجتماعي قليل الأصحاب لوجود شروط كثيرة يطلبها في أصحابه،
وأحياناً لابتعاد أصدقائه عنه لطلبه العقلانية حتى في المشاعر فسرعان ما يخسر أشخاصاً
يحبهم بتداعيات تلك المنطقية، ويظهر ذلك في ضعف الذكاء العاطفي لديه مع كتمانه
لكثير من مشاعره الجياشة لحيثيات عقلية يتم افتراضها، وفي التفكير نجده يطلب لكل
فكرة مهما صغرت شيئاً من النمطية والعقلانية، وهو مع ذلك نجده قليل التجاهل كثير
الانتقاد شديد الوثوق بأفكاره كونها منطقية وعقلانية، وعلى الصعيد الذاتي فهو مرتب
الأفكار لا يحب الفوضى مهما كانت، ولا يحب الوقوع في الخطأ ويعتبر ذلك نقصاً فيه
لأنه ناشئ من تحليله الدقيق الذي يجعله يثق في كل تفاصيل آرائه.
وبعد
هذا السرد لبعض الإشكاليات لهذين النمطين فأودّ التنبيه أنه ليس من مقصد المقال
تقديم درسٍ في الأنماط الشخصية ولكني أريد الإشارة إلى أمرين مهمين في التعامل مع أنماطنا
الشخصية حتى تتحسن من جهة ولا تكون معول هدم للحياة من جهة أخرى .
الأمر
الأول:
أنّ
لكل شخصية من الشخصيات مواطن قوة وضعف، فمن حيث الجانب الذاتي فالتميز الحقيقي في
الشخصية أن تُفعَّل مواطن القوة وتُحسَّن مواطن الضعف من خلال الشعور بالمشكلة
أولاً ثم ممارسة مجموعة من التطبيقات التي تساعد على فرص التحسين والتطوير، فإن
الشعور بالمشكلة أوَّلُ الوعي بها، ولا شك
أنّ هذا الوعي بمكامن الشخصية يجعل الشخص ينظر لمواطن الخلل بعين المترقب ليقلِّل
من تلك الإشكاليات، فإن التذبذب التي تفرزه العاطفة تحتاج من صاحبها أن يتنبه لتمثُّلات ذلك في حياته، فيجعل له قيماً وأهدافاً يقلل بها مواطن الضعف، كأن يتعلّم كيف يُجبِر
نفسه على التأني والتعقّل في القرارات ويمارس ذلك مع نفسه بوضع أهدافٍ يحققها في
يومه وليلته، وكذلك التحليلي يجعل له أهدافاً يومية تظهر فيها أثر عاطفته ما
استطاع، ويكسر حدة التدقيق والنمطية قدر الإمكان، حتى تصِل كلا الشخصيتين بعد زمن إلى مرحلة تتهذّب فيها هذه السمات السلبية، ويصلا إلى مرحلة الموازنة بين
العقل والعاطفة.
إنَ
من أبرز الإشكالات الناتجة عن عدم إصلاح تلك المشكلات تعمّق إشكاليات النمط في
الإنسان مع تقدّم السن حتى يصل إلى طريق مغلق يصعب معه العودة للخلف، وتُسبِّب له
إشكالات نفسية واجتماعية وأسرية تعكّر عليه صفو حياته، فالعاطفي سيحاكم الناس إلى
العواطف وإفرازاتها، ويجعل حياته قائمة على البعثرة والفوضوية التي لا استقرار
معها، فهو متقلب المزاج قليل الإنجاز إن سعى في أمر فسرعان ما يملُّ ويتركه، يميل
للوجبات السريعة فإنجازاته قصيرة النفس قليلة الجودة، وأما التحليلي فسيكون صارماً
لحدٍّ لا يطاق فليس كل الحياة تحتاج إلى تدقيق وعقلانية وخاصة في العلاقات الاجتماعية.
الأمر
الثاني
التنازل
في الطباع هو محك العلاقات المميزة، فإذا علم صاحب الشخصية مواطن الضعف لديه وجب
عليه التنازل ما استطاع ليتقبل الشخصية الأخرى ويتأثر بها، وأفرز لنا ذلك التجانس
والتكامل، فالعلاقات الزوجية مثلاً لا يطلب فيها التنازل فقط في جوانب الوظائف
والحقوق فهذا -في ظني- نوع بسيط من أنواع التنازل، وإنما المحك الحقيقي هو التنازل
في الطباع، فالتحليلي لزوجة عاطفية لا بد أن يعرف أن مفتاح كسب قلبها الإغراق
العاطفي ولو كان يظن من حيث منطلقاته التحليلية أنّ الكلام دون عمل لا جدوى منه،
والعبرة بالإنجاز في الأعمال والإتقان في المخرجات، فإن تنازلكَ عن منطلقاتك والنظر
إلى ما تحتاجه شخصية الطرف الآخر هو من أسمى أنواع التنازل، أما الجمود على ما تفرزه
الشخصية التحليلية وطلب الآخر أن يكون مثله فهذا طريق مسدود ينتهي غالباً بالانفصال،
وكذلك المرأة العاطفية لا بد أن تتنازل عن منطلقاتها العاطفية والانتقال إلى ما يحتاجه
الزوج التحليلي من مطلوبات، فهو يطلب النمطية والتدقيق والإتقان في أمور الزوجية
والمنزل، فعليها أن تتنازل عن سكب العاطفة فقط إلى تعلّم الأمور المنطقية التي ترضي
الزوج في جنبات الحياة الزوجية لتتحقق رغبة الشخصية لدى الاثنين ويحدث التنازل والتكامل،
أما أن يبقى كل واحد يطلب من الآخر ما تحتاجه شخصيته دون تقديم تنازلات فهذه طريق
وعرة تنتهي فيها العلاقات غالباً، وقل ذلك في كل العلاقات الأخرى فليست العلاقة
الزوجة إلا مثالاً للتوضيح.
إن
عدم تصوّر الكثير من الناس أنّهم مأسورون لأنماط شخصياتهم يزيد من كثرة مشكلاتهم،
ويجعل صاحب الشخصية المميزة عاجز عن تجاوز كثير من مشكلاته التي قد يتجاوزها الصغار
أحياناً دون تعب، وهنا يظهر أهميّة التنبّه لهذه المنطلقات الشخصية لتتحسن فُرص تصحيح
الإشكالات وفتح باب كبيرٍ لتطور الشخص ومواهبه وإمكاناته على الصعيد الشخصي
والمجتمعي.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ردحذفاريد استشارة مدفوعة الأجر مع علي عسيري