المشاركات

من الحَسرة إلى الفاعلية في نصرة قضايا الأمة

 من الحَسرة إلى الفاعلية في نصرة قضايا الأمة يشكّل التفاعل الوجداني مع قضايا الأمة الإسلامية – من خلال نشر أخبارها والدعاء لأبنائها والتألم لمصابها – الحد الأدنى من الواجبات التي يمليها الانتماء الديني للفرد المسلم،  وقد جاء التشبيه النبوي بأنّ المؤمنين «كالجسد الواحد» ليرسّخ هذا المعنى، حيث يتأثر الجزء بما يصيب الكل، إلا أنّ هذا التفاعل وإن كان مطلوبًا لا ينبغي أن يُفهم بوصفه نهاية المطاف في نصرة الأمة، بل هو نقطة الانطلاق نحو دور أشمل وأعمق في بنائها، فأعضاء الجسد لا تكتفي بالشعور بالألم، بل تؤدي كلٌّ منها وظيفتها الحيوية التي تضمن بقاء الجسد حيًّا ومتوازنًا، وهكذا ينبغي أن يكون حال المسلم تجاه قضايا أمته لا يكتفي بالتأثر، بل يتحول ذلك التأثر إلى حافز للبذل والعطاء والعمل المنتج في المجالات التي يملك أدواتها، فالنصرة الحقيقية لا تكون بمجرد الانفعال العاطفي بل بالتفاعل العملي المسؤول الذي يساهم في سد الثغور، ويعزز صمود الأمة في وجه التحديات، وإنّ مما يُؤسف له أن تتحول مشاعر الأسى إلى حالة مزمنة من الحزن والعجز، تُقعِد الإنسان عن الفعل وتُبقيه في دائرة التوجع دون أثر ملموس في ...

أنماط الشخصية والأبعاد المطلوبة

  لطالما راودني سؤال مُلحّ منذ أن انتشرت دورات أنماط الشخصيات وكثر الاهتمام بها: هل المقصود من هذا العلم هو مجرد معرفة الأنماط الشخصية وتصنيف الناس وسلوكياتهم بناءً عليها؟ أم أن هناك عمقاً أكبر يتطلب منا اكتشافه، وهو ما لم يلتفت إليه كثير من المتخصصين؟ هذا السؤال الذي قد يبدو للوهلة الأولى سطحياً إلى حد ما، لم يكن ليظهر إلا بعد التأمل في العديد من هذه الدورات وبعض الممارسات التي يقدمها بعض المهتمين التي أظهرت جوانب تُشير إلى ما طرحته في سؤالي، ومع مرور الوقت أثبتت الدراسات أن الموضوع أعمق بكثير مما يبدو، حيث تتضافر الدراسات النفسية والاجتماعية لتؤكد أن هذه المقاييس ليست سوى الخطوة الأولى التي تفتح لنا آفاقاً لفهم النفوس البشرية وكيفية تأثيرها على السلوك، ومع ذلك يقف كثيرون عند هذه المرحلة الأولية معتقدين أنها تمثل غاية الأمر ومنتهاه. وفي هذا المقال المقتضب، سأحاول تسليط الضوء على بعض الأبعاد التي يمكن لهذه المقاييس أن تكشفها لنا، بهدف استثمارها في تحسين أفكارنا وسلوكياتنا، وجعلها أكثر فاعلية وتأثيراً في حياتنا ولعل من هذه الأبعاد: 1-     1-  التق...

الطباع وأثرها في التفكير والسلوك

  مما يغيب على كثير من الناس تأثير طباعهم على التشكّلات الفكرية والسلوكية لديهم، وأنماط تعاملاتهم الاجتماعية والأحكام الملقاة على غرار هذه الطباع، فالمتأمل في الأشخاص الذين يميلون للعاطفة والاهتمام الاجتماعي مثلاً يجد أن تلك العاطفة التي تموج كموج البحر -بين مدٍّ وجزر- تنطبع على صفحات حياة صاحبها، فليس ذلك مختص بالجوانب الاجتماعية كما يظن البعض بل ينعكس أيضاً على سلوكياته وأدوات التفكير وأشكال الحياة، فنجده في التفكير شديد التمسك بالأفكار دون استدلالات قوية تضبط التفكير لديه وتجعله متسقاً بل العاطفة تسوقه تحت أي مؤثر، وسرعان ما ينتقل للجهة الأخرى عند أي عملية تهييج للعاطفة ولو صغرت، وفي العلاقات الاجتماعية فهو مرهف الحس مليء العاطفة يحتوي بتلك العاطفة القاصي والداني، ولهذا فهو كثير العلاقات الاجتماعية كثير المجتمعات والبيئة، ولكن عاطفته تجعله كثير التنقل ، سريع التأثر، إن أحب أغرق وإن كره أحجم حدّ الجفاف، وعلى الصعيد الذاتي   فهو مبعثر الاهتمامات ما يحلو في لحظتها فهو المهم، فالترتيب يُعدّ معضلة حقيقية بالنسبة له، ونجده يصدر الأحكام تبعاً للعاطفة فموقفه اليوم ليس هو موقفه غداً...

في الممكن السعة

  من الجمل التي تتصدَّر المجالس الدعوية وتتكرَّر فيها أنَّ (مساحة الممكن كبيرة وواسعة) وسرعان ما ينقسم المجلس عند طرحها إلى طرفي نقيضٍ بين مؤيد لهذه الجملة وبين مستشكِلٍ عليها، وقبل أن نناقش صحة العبارة من ضعفها والمسببات لِوُرودِها نريد أن نوضَّح المقصود بالمصطلح حتى نستطيع تميز حدوده ومعرفة ما ليس منه، فعبارة (مساحة الممكن) داخل الساحة الدعوية -خصوصاً- يُقصَد بها مجموع المشاريع والأنشطة والبرامج والمبادرات والأساليب الدعوية التي مازال بالإمكان العمل عليها وتفعيلها بالشكل المطلوب غير ما قد تعرَّض منها للتوقف أو الضَّعف لأي سبب كان. ومن التعريف يظهر لنا جليَّاً أنّ مساحة الممكن أكبر بكثير مما يُعمل عليه، فحينما أردنا أن نحصر مساحة الممكن جعلنا حقولاً كثيرة للتعريف بها، والحقل الواحد يندرج تحته من الأفكار والممارسات الدعوية ما يصعب علينا حصره، فالأنشطة والبرامج على سبيل المثال لو وضعنا لها جلسة عصف للأفكار لطال بنا الكلام في صورها وأشكالها، وسنبدأ في تفريعات وحقول أخرى ليتسنَّى لنا حصر الأفكار تحت هذا المسمى العريض (الأنشطة والبرامج) الذي يمثِّل جزءاً من تعريف مساحة الممكن، وعل...

مقاومة التغيّر الدعوي

كنت ذات مرة في مجلس دعوي نتناقش فيه مع بعض الفضلاء الإشكالات التي جدَّت على الساحة الدعوية، وما تواجهه من صعوبات تحتاج مع بعضها حلولاً جذرية حتى تخرج من تلك الأزمة، وتطرقنا على سبيل المثال إلى الأماكن الحاضنة للدعوة أياًّ كان صورتها، وأجمعنا على الإشكالات الحاصلة في المكان، وأنّها إحدى المعوقات في سير تلك الميادين الدعوية بطريقة صحيحة، ومع ذلك الإجماع وجدنا صعوبة في اتخاذ قرار الانتقال إلى مكان أبرح وأفضل من سابقه مع يقيننا بصحة ما ذهبنا إليه، بل أوردنا من المبررات النفسية والتربوية ما يدفعنا إلى التخلي عن تلك الفكرة والعودة إلى السائد في تلك الميادين، وهذه ظاهرة في الدعوة ينبغي التنبه لها والنظر فيها بكل تجرُّد وموضوعية، فتكرارها بين الفينة والأخرى في الأوساط الدعوية وبأشكال مختلفة وبتبريرات واهية يجعلنا نخاف من ضمان سيرها في المستقبل، فالجمود في بعض الوسائل الدعوية يؤخِّر الدعوة عقوداً من الزمان، فصفة المعاصرة للدعوة إنّما تنبع من تجدُّد الوسائل الدعوية المناسبة لكل مجتمع، فالذي صلح به الماضي -من الوسائل- قد يَحتاج إلى تعديل وتهذيب وأحياناً تغير ليصلح لمجتمع ا...

ساعة العسرة

  يكثر السؤال في أوقات المحن عن موقف المؤمن من تلك المحن، وكيفية محافظته على دينه والثَّبات عليه، في ظِلِّ وطْأَة الباطل واشتداد قبضته على المؤمنين، وانتشار الشهوات والشبهات، والحقيقة أنَّ هذه من ساعات العُسرَة على المؤمنين، لما تشتمل عليه من الخوف على النفس من الزَّلل، وعلى أهل الحقِّ من الهَلَكَة. وقد أشار القرآن إلى إجابة هذا السؤال في مواطن كثيرة منه، لعل من أظهر تلك المواطن ما أجتمع فيه ضعف المؤمنين، وقلَّة الحِيلَة، والنقصِ في العدد، واجتماع العدو، في حالة مشابِهة لما نشتكي منه اليوم، وقد كان ذلك في يومٍ شديد على المؤمنين، في يوم غزوة بدر الكبرى. فلمَّا ذكر الله عزَّ وجل قصَّة الغزوة في آيات سورة الأنفال، ذكر خلالها آية هي خُلاصة من الخلاصات التي يجدُر بالمؤمن أن يتدبَّرها ويتأمَّلها مليَّاً، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، فقد أمر الله المؤمنين بالثَّبات على جهاد الكافرين، مع ذِكْرِهم لله عزَّ وجلَّ كثيراً حتى يُفلحوا وتكون لهم العاقبة والنصر. وسأقف على بعض التأمُّلات في ه...

في زمن الشدة

  يعتصر قلب المؤمن من انتفاش الباطل وسطوته على الدين وأهله، وكلما اتسع نفوذ الباطل شيئاً، أخذ ذلك حيِّزاً من تفكير المؤمن، نصرة لدين الله، وخوفاً على المسلمين من انكسار أمرهم، وتشتت رأيهم. وقد أشار القرآن إلى ملحظ مهم في مثل هذه المرحلة العصيبة على المؤمنين، التي يجتمع فيها وهن العزائم، وضعف النفوس، وقلّة المعين، وكثرة المخذِّلين، فقال سبحانه وتعالى للمؤمنين بعد آيات صلاة الخوف: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، وفي هذه الآية دروس عظيمة لمثل هذه المرحلة من عمر الأمة، لابد من تصورها والوقوف معها، وتدبُّرها ومدارستها، حتى لا تضطرب الصفوف، وتضيق النفوس، ويدب داء اليأس في عضد المؤمن. الأول: أنَّ المؤمن مأمور بالعمل للدين ولو في أحلك الظروف، وتقديم ما يمكنه في رفعة هذ الدين، ويبذل ما بوسعه ليكون هو السابق لأدوات التمكين والنصر، ولا يصيبه الوهن والذّلة، ويسلّم الأمور للعدو، بل يعمل ويبذل ويضحي ويقدم ما يحسبه خيراً لأمَّته، فقد أر...